مؤلف مجهول

32

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب

ففزعت منه ، وزاد رغبتي رعبي ، وكاد أن يخلط على عقلي حين لم ار فيها آدميا ، فخفت ان اضلّ في تلك الشوارع والسكك ، ولا اهتدي الرجوع إلى الباب الذي دخلت منه . فانصرفت راجعا ممتطيا لذلك « 1 » الشارع الذي أقبلت فيه لا أزايله . فلما دنوت من الباب ، رجعت الىّ نفسي ، فرمت قلع شئ « 2 » من ذلك الدرّ والياقوت والجوهر المركبّ في تلك الحيطان وتلك الأبواب فلم يواتينى منها ، لأنها كانت محكمة الترتيب وثيقة الصنعة . فتنا ولت شيئا من تلك البنادق المبندقة « 3 » من المسك والزعفران . ثم خرجت إلى ناقتي ، فركبتها ، وقلت في نفسي : لا شئ اجدى عليّ من مسيري إلى معاوية بن أبي سفيان ، فادلّه على هذه المدينة ، فإنه سيجعل الله لي منها أوفر الحظّ فتركت ما كنت فيه « 4 » من طلب ابلى ، وسرت نحو الشام حتى وافيت دمشق ، ودخلت على معاوية . فقلت : يا أمير المؤمنين قد اتيتك بما لم تره العيون ، ولم يخطر على قلب بشر . قال : وما ذاك ؟ قلت مدينة من ذهب وفضة ودر وياقوت وزبرجد ومرجان ؛ وفسرت له القصة ، ووصفت ما عاينت في تلك المدينة ، واريته ذلك الياقوت وتلك البنادق التي حملتها معي . فنظر إلى ذلك الياقوت ، فإذا قد اصفرّ وتغير من طول الزمان ، وشم البنادق ، فلّم يجد لها رائحة فامر ببندقة منها فدقت ، وأذيب بالماء فسطع منها ريح المسك والزعفران . ثم ارسل إلى كعب الأحبار ، وكان نازلا معه بدمشق . فقال له : هل بلغك ان في الأرض مدينة من ذهب وفضة ودرّ وياقوت وزبرجد ومرجان ؟ قال كعب : نعم ، يا أمير المؤمنين ارم ذات العماد الّتى ذكرها الله في محكم كتابه ، على لسان نبيه محمد ( ص ) فقال عزّ ذكره : « إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ » . قال معاوية : فهل إليها من سبيل ؟ فقال كعب : واى سبيل إلى مدينة محبوبة « 5 » عن الخلق ، الّا عن رجل واحد من العرب ، فإنه سيدخلها رجل صفته كذا وكذا . قال عبد الله : ثم وصف لي « 6 » صفتي ، والتفت فنظر اليّ فقال هو ذا ، وسيدخلها أوقد دخلها ، فسله يخبرك . فعجب معاوية من علم كعب الأحبار قال كعب : والذي بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا ، ما خلق الله ، تبارك وتعالى ، في الأرض شيئا الا وقد فّسره لموسى

--> ( 1 ) . تاريخ الأصمعي : منتظما في تلك ( 2 ) . تاريخ الأصمعي : ان اقلع شيئا ، النهاية : إلى قلع شئ ( 3 ) . تاريخ الأصمعي : فإذا البندقة ( 4 ) . الصحيح : فتركت ما كنت فيه ( 5 ) . تاريخ الأصمعي : المدينة وهي مجوبة ( 6 ) . هنا : وصفني